مقابلة الإنتقاد مع الأسير المحرر المجاهد علي حسن بلحص
العيون مفتوحة جيداً، الأقدام تكاد تلامس الأرض، اليد على الزناد، غيوم تشرين تحجب نور القمر إلا من خيوط نور تنساب بين الحين والآخر مخترقة أغصان الأشجار المتشابكة.
فجأة.. بدا شيء يتحرك، وظهرت بين جذوع الأشجار خوذة جندي تتحرك، أخذ المجاهدون موقعهم بعد إشارة بينهم: إنه إذاً كمين للعدو.. ولم يتأخروا ثواني حتى فتحوا النار تحت تلك الخوذات لتصيب من الجنود مقتلاً.
الضربة لمن سبق، والرصاصات الأولى هي التي تحدد مسار المعركة. ساعات من القتال لم تنحنِ فيها الهامات، ولم تهن العزائم، كان خلالها المجاهدون يتنقلون بين الصخور، صوّبوا رصاصاتهم بعناية حتى لا تضيع واحدة منها عن هدفها، لكن العدو الذي أدرك من اللحظة الأولى من يقاتل، زجّ بتعزيزات إضافية إلى المعركة. تدخلت مروحيّتا "كوبرا" وأطلقتا حممهما، المدفعية الثقيلة لم تهدأ قذائفها، وجنود جدد إلى الوادي..
المجاهد علي حسن بلحص أصابته شظايا صواريخ الطائرات بقدمه ويده وأنحاء أخرى من جسده، فالتحف إحدى الصخور وظل يقاتل حتى خارت قواه. لم يجرؤ العدو على الاقتراب من المجاهد الجريح الذي ينزف حتى مضى وقت طويل، جمع فيه قتلاه وجرحاه من المعركة، ثم عمد إلى أسر المجاهد بلحص. المشهد أخذ يتشكل في ذاكرة علي بلحص منذ وضع على حمّالة ونُقل الى الملالة الصهيونية. أدى الصلاة برغم قساوة الجراح، واعداً نفسه بشهادة قريبة تلحقه برفاق دربه الذين سبقوه.. لكن قدره كان أن يكون أسيراً في يد العدو فترة تجاوزت أحد عشر عاماً، كان خلالها المقاوم في السجن الذي يقهر الجلاد بصلابته وجرأته.. اضافة الى ان قساوة الجراح والتعذيب لم تتح للعدو الحصول على "حقيقة المهمة" التي كان بصددها، وهي مهمة كانت المجموعة مكلفة بتنفيذها من قيادتها في المقاومة الإسلامية.
في حكايته حول سنوات الأسر لـ"الانتقاد"، يؤكد علي أنه أخفى عن المحققين الصهاينة حقيقة تلك المهمة، واليوم بات حراً بفعل سواعد رفاق دربه المجاهدين في المقاومة الاسلامية.
نفضت عنها صديقين ثوب الحزن، ورسمت لأفراحها لوناً جديداً، فهي أقسمت ألا تفك حدادها الا بعودة الغائب اليها، فالأفراح خاطرة ما مرت في دروبها منذ غالها المعتدي وسرق من أفنائها البسمة وعشرات من ورودها، وها قد عاد مكللاً بالورد والريحان.. غسلت مصاطبها، لبست طرحتها وتزيّنت للعرس.
عاد علي بلحص الى بلدته، توقف في كل الدروب، لم يبقَ في الجنائن ورد لم يُنثر على جبينه. العجائز أطلقن الزغاريد للبطل الذي لم ينحنِ أمام سجّانه، وعلي بين المستقبلين افتقد كثيرين وسأل عنهم، لكن الخبر كان وصله عن قانا وحكاية الشهادة التي استودعت صديقين في سجلها ستة وثلاثين من أبنائها.
هذه الفرحة لم أصنعها أنا، يقول علي، "انما المجاهدون الذين جاهدوا واستشهدوا حتى تحقق لهم الفوز بعملية الأسرى، فحققوا لنا الحرية، هم من صنع هذه الأعراس، وليس نحن".
بين أبناء بلدته يقضي علي معظم أيامه يستقبل المهنئين بتحريره، ويقص عليهم حكايا المعتقل والسنوات الطويلة التي قضاها خلف القضبان. أما والد العريس فهو كذلك مشغول بضيوفه المهنئين، وبدأت البسمة تعود الى وجهه بعد ان عاد غريبه.
في الأيام الاولى من العام 1968 ولد المجاهد علي حسن بلحص، وفي مدرسة صديقين الرسمية تلقى علومه الابتدائية والمتوسطة، ليكمل المرحلة الثانوية في ثانوية قانا. وبعد انسحاب العدو الصهيوني من جزء واسع من الجنوب تحت ضربات المقاومة، انتسب الى حزب الله ليصبح أحد المجاهدين في صفوفه.. "وما زلت وسأبقى ان شاء الله"، كما يقول مشدداً على عبارته الأخيرة.
المواجهة
نسأل علي بلحص عن الأسر، فيذهب بعيونه الى لوحة اشتغلها في السجن ترمز الى طائر أفرد جناحيه في سجن عسقلان ويقول: كنا في عملية استطلاع، كنا قد رصدنا تحركات الهدف كاملة، والإخوة في مجموعات أخرى كانوا قد استطلعوا للعملية، وكل شيء كان جاهزاً، وما كنا نقوم به كانت عملية الاستطلاع الأخيرة لمعاينة المنطقة وتحديد المواد والتجهيزات التي تحتاجها العملية.
اصطدمنا بكمين صهيوني كان في منطقة وادي العيون قرب بيت ليف ـ القوزح، جرى اشتباك بيننا وبين قوات العدو، استقدم خلالها العدو قوات دعم وطائرتي "كوبرا"، إضافة إلى القصف المدفعي، حيث كانت القذائف تتساقط على أمتار قليلة منّا.
كانت مواجهة ضارية بيننا وبين قوات العدو، بعد فترة من الاشتباك تقارب عشرين دقيقة ـ عرفت بهذا الأمر من التقرير العسكري ضمن الملف الذي أعده المحامي ـ وصلت مروحيتان من نوع "كوبرا" وبدأتا بالرمي علينا، وكان هناك دبابة تقف على بعد 80 متراً تقريباً استخدمت أيضاً، وأُصبت جراء الاستهداف من طائرات "الكوبرا" في قدمي ويدي. قدمي بترت من مشط القدم، وفي يدي كانت الإصابة كبيرة أيضاً، لم أستطع جراءها الانسحاب، لكنني واصلت المقاومة بما بقي لدي من قدرة، لأن العصب أصيب.
من بداية المعركة الى نهايتها كنت أتصرّف كمقاتل، أطلق النار وأفعل ما يتطلبه الميدان، شعوري كان طبيعياً جداً، لم يتملكني أي انفعال أو خوف.. حتى عندما رأيت الإسرائيليين قد اقتربوا مني تعاملت مع الأمر بشكل طبيعي، فلم ينتَبْني أي خوف أو قلق، وعندما وضعوني على الحمّالة أديت الصلاة الواجبة، لأنه نتيجة مستوى الجراح التي أصبت بها، شعرت بقربي من الشهادة. بعد فترة من الأمر نفذ الإخوة العملية التي كنا بصددها وتحقق الهدف.
قلت: الحمد لله، الهدف تحقق، ما كان يعنيني هو ان يخسر العدو أكبر عدد من جنوده الصهاينة ومن عملائه.
مقاومة خلف القضبان
الجهاد في السجن كيف يكون؟
يجيب المجاهد علي: السجن هو موقع متقدم من مواقع الجهاد ضد الاحتلال، تتغير ظروف وأساليب الجهاد، لا يوجد جهاد بالسلاح كما على الجبهة، أنت أمام حياة جديدة وواقع جديد، وحتى تتمكن من تحصيل نوع من العيش المقبول للإنسان بالحد الأدنى، لا بد من ان تصبر وتتعب.. الراديو، الجريدة، الكتاب، التلفاز أو أي وسيلة موجودة في السجن، هي ليست كرم أخلاق من الصهاينة، دفع الأسرى والمعتقلون ثمنها أسابيع طويلة من الجوع والإضراب عن الطعام.
هل حصلت مواجهات بينك وبين المحقق؟
يحاول المحقق أن يكسب أكبر قدر من المعلومات، كانت تحصل نقاشات بيني وبينه، وفي إحدى المرات سألني بحضور عدد من المحققين وقال: عندما تحررون لبنان ماذا تريدون من فلسطين؟ فقلت له: نحن في حزب الله نريد أن يبني المسلمون قوة لتحرير فلسطين، لأنها لا تعود إلا بالتحرير العسكري، ونحن ـ حزب الله ـ لن نكون جنوداً عاديين في الجيش الإسلامي، لكن سنكون رأس حربة هذا الجيش.
قضى علي معظم أوقاته داخل المعتقل في المطالعة والتعلم، أما العبادة فهي ـ كما يقول ـ أمر طبيعي ولها وقتها الكافي. يضيف: "أعتقد ان الانسان يبقى مديوناً مهما قدّم وضحّى، هذه قناعتي الثابتة.. هناك من يقول إنك جاهدت وأُصبت وأُسرت سنوات، هذا كلام لا يعني لي الكثير، الانسان تكليفه قائم في هذه الدنيا حتى يرحل عنها".
قانا والغيّاب الكثر
في غياب علي حصلت الكثير من الأحداث الكبيرة، لا سيما مجزرة قانا التي سقط فيها العشرات من أبناء بلدته، يقول علي: الأحداث كلها كانت تهمنا ونتابعها بشكل جدي ودائم، لكن واقع الأسر أو السجن هو الذي يضعك في انطباع وكأن هذه الأمور تحصل في عالم آخر خارج الكوكب الذي يعيش فيه الأسير.. نحن نتأثر بهذه الأحداث ولا نؤثر فيها، نفرح للانتصارات، ونحزن لأي نكسة أو أي أمر محزن، نتفاعل مع الآخرين، لكن لا نستطيع أن نفعل شيئاً غير المشاعر والأحاسيس.
يوم مجزرة قانا سمعنا في الأخبار ان هناك مجزرة في مركز الطوارئ، وأن عدد الضحايا يرتفع حتى وصل إلى ما فوق المئة، فشعرنا بحجم المأساة والفاجعة.. وهذا دليل يؤكد مدى الإجرام والحقد الصهيوني الذي رأيناه خلال التعذيب.
ويحن علي منذ أيام الاعتقال إلى الكثير من الأمور، وهو قبل أن يختم يشير إلى أنه قريباً سيزور المكان الذي حصلت فيه العملية وأُسر منه.. وسيزور قبر الشهيد الشيخ "أبو ذر" ورفاق درب الجهاد والشهادة.
القسم : مقابلات ولقاءات - الزيارات : [159] - التاريخ : 6/1/2010 - الكاتب : admin
alla ma3ak ya batal